روت لي جدتي

قصص أطفال مشوقة وممتعة قبل النوم

حكايات طويلة

قصة في انتضار البريد

كانت أمسية شابها شيء من الحزن، أضيئت أنوار المنزل داخله وخارجه، وصفت الكراسي وأعدّت أباريق الشاي ودلال القهوة .. بدأ الأقارب والجيران يتوافدون على المنزل. وبعد صلاة العشاء اكتمل الجمع، ودارت الأحاديث حول السفر والهجرة والغربة، فهذا خالد – صاحب المنزل – يسافر صباح غد إلى بلد بعيد .. هجرة قد تطول تتبعها هجرة زوجته و ابنيه الصغيرين فيما بعد.

الآمال العريضة تفتح أبوابها، شآبيب الرزق تندفع زخات قوية تطرد الفقر اللئيم المحيط بالمكان، فليذهب الفقر إلى الجحيم .. مرحبا بالحياة الجديدة، أهلا بالسعادة الغامرة تطلّ و تتماوج كزهرات بستان يانع، يا هلا .. يا هلا .. غداً تشرق الشمس ويفتــرّ ثغرها الباسم عن صباح جميل. هكذا وإلا فــــلا.

تنحنح المختار وعّدل جلسته، ألقى نظرة استعرض فيها وجوه الحاضرين، كانت هذه هي عادته كلما أرادهم أن ينصتوا ليستمعوا إليه.

الله يمسيكم بالخير جميعا .. هذا أخوكم خالد مسافر غداً، إلى بلد لا يعلمه ولا نعلمه، وسوف تطول غيبته ويجمع مالا كثيرا .. هكذا قال له من سبقوه .. نرجو أن لا ينسانا من بركاته .. فنحن سنرعى زوجته وطفليه إلى أن يلحقوا به. سافر على بركة الله.

لقد سافر فتحي قبله .. ها قد مضى على سفره أكثر من ثلاثين سنة، لم نسمع عنه شيئا غير أنه حيّ يرزق .. لم يكتب لأهله خطابا ولم يرسل قرشا أحمر، تصوروا أنه لم يتزوج بعد. يسافرون، يتركون ضياعهم وأهليهم، ينخلعون من جذورهم إلى الأبد.

أما سمعتم عن موسى شقيق حسين .. سافر وانقطعت أخباره، ثم علمنا أنه تزوج من أجنبية .. فماذا حدث له بعد أن جمع المال الكثير؟ قُتــل في ظروف غامضة وما زالت قضيته مسجلة ضدّ مجهول!

تنحنح المختار مرة أخرى وألقى نظرته المعتادة على الوجوه فأنصتوا.

طالع ايضا : قصة الساق الخشبية

والله يا جماعة، لا خير في الغربة إن طالت، والله لن أسمح لابن ولا لحفيد أن يترك ضيعته إلى الأبد، نحن كأشجار الزيتون لا تعيش في أرض الضباب! قاتل الله الفقر، لعن الله الحاجة. القناعة كنز لا يفنـــــى.

ضحك أحد الشباب في ركن قصيّ وقال: القناعة كنــز لا يغَــنّي يا مختار. صفق الشباب من حوله وأعادوا مقولته بقناعة تامة.

ودارت كاسات الشاي على الحضور ودار الحديث في شتى امور الدنيا، وكان البدر طالعا في كبد السماء فأضاء نوره الأجواء، وهبت نسمات طرية أنعشت الحضور .. وطرب الشيخ ياسين فارتفع صوته بالنشيد.

وجاء دور القهوة .. فدارت الفناجين ؛ أولا المختار ثم عن يمينه حتى نهاية المطاف .. تناول المختار الفنجان .. ارتعشت يده .. وسقط الفنجان من يده.

خير .. خير يا مختار .. انكبّ الشر. هات قهوة غيرها للمختار.

لا .. مليش نفس.

استأذن المختار وودّع خالدا ثم نهض الرجال وودعوا المسافر ودعوا له بالتوفيق.

وقفت زوجة خالد على الدرج العلوي .. شعاع القمر يغمر الساحة، الكراسي مبعثرة في الأنحاء، كاسات الشاي وفناجين القهوة موضوعة بغير عناية على الدكة المحيطة بالحديقة.

هنا كان يجلس المختار، وبقعة القهوة ما تزال آثارها على بلاط الساحة.

حسنا .. الصباح ربــاح.

التاسعة صباحا .. قلب يعتصره الألم ودمعة غادية رائحة، وتشنجات قصيرة تذهب ثم تعود .. ونظرة أخيرة بين زوجين أحبا بعضهما رغم الفقر ورغم الفاقة ورغم الحاجة .. وتعلق الصغيران بعنق المسافر .. لم يقل شيئا .. كان ينظر إليهما بينما تتجمد دمعة رقراقة في محجريه وتنتظر الكلمات المتيبسة على أبواب الشفاه المرتعشة.

اكتب انــــــا.

تحركت السيارة وامتدت النظرات بين حبيبين امتداد الطريق السويّ ثم انعطفت إلى اليمين وانقطع النظر. لملمت طفليها ودخلت غرفتها .. ضمتهما بعنف وعلا صوتها بالنحيب.

انطلق الزمان عبر المسافات وامتدت الطريق امتدادا لا ينتهي، عبرت عمان إلى الشام فتركيا .. خيـّم ليل وطلع صباح .. نحن اليوم في بلاد أخرى .. نحن في محطة للقطارات .. سيمتدّ الطريق عبر الشمال موغلا في قلب أوروبا.

في محطة القطارات خلق كثير، لغات ولهجات واشكال .. حقائب تعلو الظهور .. خيل إليه انه يرى قوافل من الجمال تسير على

رجلين .. الناس هنا يسيرون بسرعة .. إنهم لا يحــيي بعضهم بعضا، مقبلون على الدنيا وكأن القيامة ستقوم قريبا.

نفث القطار دخانه وأطلق صافرته .. طويلة تنذر بوداع طويل .. الأشجار على جانبي القطار تنطلق بسرعة العاصفة، بينما تمتدّ المروج الخضراء بساطا سندسيا على مــدّ النظر.

من محطة إلى محطة .. ومن قطار إلى قطار .. ومن عربة إلى عربة .. الرجال والنساء يتراكضون .. يلهثون بينما يحمل البعض سندويشا والآخر زجاجة شراب وثالث يبصق على أرض المحطة، وفي أركانها يتوزع رجال أنهكهم العمر يمدون قبعاتهم للمارة .. ورجال يعزفون الموسيقى يتحلق حولهم مستمعون صاخبون يلقون إليهم ببعض القطع النقدية وينصرفون.

أنهكه التعب وطول السفر .. ألقى جسده المنهك على سرير خشبي عتيق .. نظر إليه صاحبه .. لقد نام .. إنه يشخر كمن به مـسّ. حتى في منامه المتعب .. رأى زوجته وطفليه، رأى المختار وسمعه يتنحنح .. شوارع الضيعة الضيقة .. طرقها الرملية الملتوية المؤدية إلى الحقول .. أشجار الزيتون الروماني .. كان يدخل في قلب جذع الشجرة ويختفي عن أعين أصحابه عندما كانوا صغارا…

هنا كبر واشتدّ عوده وأصبح شابا .. هنا التقى الصبية الحسناء حيث حادثها لأول مــرة ثم قرر أن يتزوجها .. هنا وهنا وهنا و.. هناك. ارتعد قليلا ثم همد ونام.

طالع ايضا : حكاية الجميلة والوحش

مضى شهر .. ليس من السهل أن تجد عملا أنت تريده .. غسل الصحون في المطاعم، تقديم القهوة والشاي والمشروبات المحرمة للزبائن، بيع الجرائد عند إشارات المرور، مساعدة السيدات المسنات

في الأسواق، النزول في أنابيب المجاري – خرج منها يترنح حتى ظنوا به سكرا.

وانقضى شهر ثان .. متى سيكتب خطابا؟ أين الوقت ؟ أين البريد؟ أين الروح؟ ماذا سيكتب؟؟

في كل مرة تفتح فيها الزوجة صندوق البريد، تجده خاويا .. ذات يوم ألقت نظرة من فتحة الصندوق .. فيه خطاب !! دقّ قلبها بعنف، وغصبا عنها سقطت دمعة، المفتاح!! وتناولت الرسالة: وزارة البرق والبريد والهاتف .. تجديد عقد صندوق البريد.

آه .. ما أقسى الأقدار!! كم أشتاق إليه وكم يشتاق إليه الصغيران!!

الغربة .. يا ضيعة المهاجر أنت، يا مذبحة الأحلام أنت !!

عادت إلى منزلها .. خطت خطوات داخل البوابة..

* هنا كان يجلس المختار .. هنا آثار فنجان القهوة، وهنا ضاع البريد.

من تاليف : نعيم عودة

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *