روت لي جدتي

قصص أطفال مشوقة وممتعة قبل النوم

حكايات طويلة قصص أطفال

قصة الساق الخشبية

 قعد أبو هانى أمام غرفته في بستانه ، وقد أنهكه التعب ، والعرق ينزل من جبينه ، والألم يهاجم رجله ، ومد يده إلى رجله فنزع أربطة الساق الخشبية ليريح رجله من أثر احتكاكها بالخشب ، ثم أسند الساق الخشبية إلى الحائط وراح ينظر إليها ، وطاقت به الذكريات ، وعاد بخياله إلى يوم كان يتمتع برجلين سليمتين يمشي بهما ، ويقفز ، ويركض ، ويتسلق السلالم ، ويجتاز السواقي ، ويخوض الأنهار ويركب دراجته ويذهب إلى وظيفته البسيطة ويعود ظهراً وقد ملأ صندوق دراجته الذي ربطه وراءه بشتى أنواع الخضراوات والأطعمة والحاجيات.
لقد كان أبو هاني بعيش سعيد قانعاً بحياته وبهذه الوظيفة البسيطة٬ والتي لم يكن يلزمه أكثر من ساعة على دراجته حتى يصل إليها منطلقاً من بستانه .
إذ كان يغدو إليها صباحاً باكراً ويعود ظهراً فيتناول غداءه ويرقد قليلاً ثم يعود إلى بستانه يعمل فيه٫ فيسقي أشجاره ويروي نباتاته وأزهاره ، ويقلب تربته ويكش حول جذور أشجاره ، ويزيل ما فيه من أعشاب طفيلية حتى غدا بستانه جنة ٬ حازت على اعجاب جيرانه .

وكان إذا جاء المساء جلس أمام مزروعاته وقد صنع إبريقا من الشاي الأخضر، وكثيرا ما كان جيرانه يزورونه ويتسامرون وإياه ويشربون من شايه الطيب، ويأكلون من ثمار بستانه، فإذا حان وقت صلاة العشاء أرادوا الصلاة ثم انطلقوا إلى بيوتهم ويساتينهم وأوى أبو هاني إلى فراشه

هكذا كانت حياة أبي هاني، حياة مستقرة هادئة مفعمة بالسعادة والسرور والطمأنينة، ولكن كان يشغل باله أمر واحد، وهو أن يستطيع توفير المال اللازم كي يتزوج امرأة تشاركه أفراحه وأحزانه، وأن تكون تقية صالحة وربة بيت ماهرة، تنجب له الأولاد وتسعده في حياته البسيطة هذه.

الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي 

لكن أمراً واحدا غيرت مجرى حياة أبي هانئ، وبدلها، وقلب خيالاته وطموحاته ، فقد كانت سورية ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، وكانت نار الثورة السورية ضد الفرنسيين قد بدأت تنتشر في أرجاء غوطة دمشق، وبدأ المجاهدون يلتحقون بصفوف الثوار، والثورة تشتد يوما بعد يوم.

كان أبو هاني مغتاظ من وجود الفرنسيين في بلاده، ويتمنى خروجهم منها، لكنه لم يفكر يوما أن يلتحق بالثوار حتى كان يوم جمعة، جلس فيه أبو هانئ يستمع إلى خطبة الجمعة، وكان الخطيب شيخ مهيب جريئ وقد جعل خطبته عن الوجود الفرنسي، إذ استكره ودعا المعلمين إلى تأييد الثورة السورية بالمال والسلاح والالتحاق بصفوف المجاهدين الثوار، وأفتى أن الجهاد الآن فرض عين على كل شخص غيور على وطنه.

ولا يحق لأحد أن يتأخر عن الانضمام إلى الثورة وجهاد الفرنسيين، وأن من تقاعس فهو آثم، وأورد قصة الصحابة الثلاثة المخلفين عن غزوة تبوك أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، وحذر من يتخلف اليوم عن الالتحاق بالمجاهدين أن يكون من المخلفين الآثمين.

خرج أبو هانى من المسجد بعد الصلاة ساهمة، وهو يفكر في كلام الشيخ، فالأمر لا يحتمل التأخير ولا التباطؤ، وحين وصل داره في بستانه استلقى على سريره لينال قسطا من الراحة ولكنه لم يستطع النوم فقد كانت كل كلمة من خطبة الشيخ ترن في أذنيه وندعوه إلى هجر حياته والالتحاق بالمجاهدين، وظل أبو هاني في قلق واضطراب يعيش بين فكرتين٬ إحداها تشده إلى الأرض والبقاء على ما هو عليه وثانيتهما تدعوه للانطلاق في آفاق الجهاد وأداء الواجب والبحث عن الشهادة والانسلاخ من المادة.

طالع أيضا : قصة الدب والمسافران

قرار أبي هاني الالتحاق بالثورة !!

وهكذا بين جذب وانعتاق واضطراب أطل المساء على أبي هانئ وقد قرر أن يلتحق بالثوار، وأحس أبو هائى بالراحة وهدوء النفس وحين أوى إلى فراشه نام نومة عميقة تخلله أحلام عن الثوار والفرنسيين.

لم يكن اتصال أبي هانئ بالثوار عسيرة فبستانه يبعد عن قرى المليحة والبلاط وجسرين وكفر بطنا حيث مرابط الثوار بضعة كيلومترات وهو يستطيع أن يقطعها بدراجته على الطريق العام بكل يسر أو عبر البساتين والأنهار.

كان لدى أبي هاني بندقية صيد مزدوجة، يصطاد بها العصافير والطيور ويقتل بها الأفاعي والكلاب الضالة، ويعندها للدفاع عن نفسه من اللصوص.

الالتحاق بالثورة 

صلى أبو هانئ الصبح ثم حمل بندقيته وما كان لديه من رصاصات معدودة، ثم تسلل عبر البساتين ومن خلال الأشجار، يجتاز السواقي ويمضي بين الحقول حتى وصل إلى مشارف قرية المليحة، وفجأة سمع صوتا قويا يقول: قف مكانك وارم سلاحك … ونظر أبو هانئ فإذا مجموعة من الثوار كانوا يتولون الحراسة والاستطلاع، فرمى بندقيته وصاح: مرحبا يا شبابا أنا أخوكم، وقد جئت لأنضم إليكم، وتقدم أحدهم فالتقط بندقيته بينما صار أخر وراءه يوجه البندقية إلى ظهره وسايره آخران من جانبه وقال الرجل وراءه: سر إلى الأمام ولا تتكلم…

ومشى أبو هاني وما مضت دقيقتان حتى وجد نفسه أمام مجموعة كبيرة من المجاهدين يتوسطهم شيخ مهيب ذو لحية بيضاء قد لف رأسه عمامة بيضاء قصيرة تتدلى من أطراف رأسه، ووضع صفوف من ذخيرة البنادق في حاويات جلدية شدها على سير يحيط بصدره وكتفيه وأمامه بندقية فرنسية.

وصاح المجاهد الثائر في المقدمة: لقد وجدناه على مسافة قصيرة من هنا متغلغلا بين البساتين ومعه هذه البندقية وقد ذكر أنه حضر لينضم إلى صفوف الثائرين المجاهدين. وأشار القائد الشيخ لرفاقه أن يبتعدوا عنه ثم طلب من أبي هانئ الجلوس فسأله عن اسمه وعنوانه وعمله ولماذا يريد الانضمام إلى الثورة؟؟…..

وتكلم أبو هانی بهدوء ورباطة جأش وأجاب عن الأسئلة كلها وذكر كيف حضر صلاة الجمعة وسمع خطبة الخطيب فأثرت فيه وأنه حضر ليدافع عن دينه وبلده ضد المستعمرين الكفرة وأنه يرجوا من الله أن يرزقه الشهادة.

وأطرق الشيخ قليلا وقد أحس في كلام أبي هانئ روح الصدق والإخلاص، ولكنه كان مضطرا  للتثبت من صحته، إذ لا بد حتى يكون أحدهم عضوا في مجموعة الثائرين المجاهدين أن يعلم أمره بما يكفل السلامة لإخوانه … وصاح الشيخ في الحاضرين: من منكم يعرف هذا الرجل ويزكيه ويضمنه؟ وصاح أحد الثائرين: أنا فإني أعرف أبا هانئ منذ زمن بعيد وبستانه قريب من بستاني وأنا أعرف دينه وخلقه، وكنت أزوره في بستانه وأشرب الشاي عنده وكنا نتسامر ونتحادث، فما وجدت فيه عيبا ولا نقصا وما ذكره الآن كله صحيح وأنا أثق به مثلما أثق بنفسي، وقال ثائر آخر: أنا ما زرته في بستانه ولكنني أراه وهو يركب دراجته ويتجه إلى المدينة أو يعود منها، وما رأيت منه ما يعيب وكان كلما مر من جانب مسجد أبي بن كعب رضي الله عنه كان يتوقف لأداء الصلاة فيه. ولقد استرعي انتباهي حاله، فسألت أحد جيرانه عنه فذكره بالخير وأثنى عليه ثم اختلى القائد الشيخ بأعضاء قيادته لفترة وجيزة ومن ثم عاد ووجه كلامه إلى أبي هانئ: قل أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا في جهادي لله عز وجل وأن أطيع قادتي وأن أبذل ما أقدر عليه من مال وجهد في سبيل نجاح الثورة وتحرير الوطن من المحتلين.

وردد أبو هانى القسم. وحينذاك ضمه الشيخ إلى صدره وقال: أنت الآن أخ لنا، لك ما لنا وعليك ما علينا ونسأل الله أن يجعل جهادنا خالصة لوجهه، وفي سبيل رضاه وأن يأجرنا فيه ويرزقنا الشهادة ويدخلنا الجنة.

وحين ابتعد الشيخ عن أبي هانئ كانت دمعتان تسيلان على خدي أبي هاني.

جلس الجميع يتداولون في شؤون الثورة وأفعال الفرنسيين. وسأل الشيخ القائد أبا هانئ: ألا تزال تذهب إلى عملك صباحا وتعود ظهرا أو مساء؟! وقال أبو هانئ: نعم… واستمر الشيخ في الكلام فقال: لا بد أنك تمر على مفرزة التفتيش في منطقة الباب الشرقي كل يوم مرتين وهم لا ريب لا يشكون فيك وقد ألفوا غدوك ورواحك وعرفوا وجهك ولم يلحظوا منك ما يسئ إليهم …؟! ونحن نريد أن نستغل موقفهم هذا منك فنتعرف أخبارهم وما يخبؤون لنا من شر وسوء والذي نريده منك أن تتحسس لنا أخبار الجيش الفرنسي وأن ترصد تحركاتهم وتجهيزاتهم وخططهم.

كما أننا بأمس الحاجة إلى الأسلحة مهما كان نوعها وجنسها وإلى الذخيرة فأسلحتنا فردية ومتنوعة منها الإنكليزي والفرنسي والتركي، والمشكلة التي نعانيها أننا لا نجد دائما الذخيرة الملائمة لنوع السلاح، وأنت الآن يا أبا هانئ لست معروفا بأنك من الثوار وتستطيع أن تستغل وضعك وأن تساعدنا، فعد إلى بستانك وبيتك وعملك وليكن همك أن تجمع لنا أخبار الفرنسيين وأن تشتري لنا ما تستطيع من السلاح أو الذخيرة سواء أكان ذلك بندقية أم مسدسا أم قنبلة أم رصاصأ وعليك أن تتحلى بالحيطة والحذر.

ودع أبو هاني إخوانه الثائرين بعد أن طلب من الشيخ القائد أن يبقي بندقيته لديهم فلعلها تلزمهم ولكن الشيخ أبي ذلك وطلب من أبي هاني أن يحتفظ ببندقيته فقد تلزمه .

عاد أبو هاني إلى بستانه وبيته عبر البساتين ومن خلال الأشجار والمزروعات حتى إذا وصل بستانه أحضر سلم ثم صعد شجرة الحور الكبيرة كثيفة الأغصان فأودع فيها بندقيته ورصاصاته، ثم عاد فجلس أمام غرفته وقد وضع إبريقا من الشاي وراح يشربه كأسا بعد أخرى وهو يفكر فيما يجب عليه أن يصنع.

طالع أيضا : حكاية الجميلة والوحش

كانت فرنسا قد جعلت في منطقة الباب الشرقي وهي مدخل ومخرج الغوطة الشرقية تفتيش دقيقاً، وإلى جانب نقطة التفتيش توجد ثكنة عسكرية كبيرة قد امتلأت بالجنود والعربات المصفحة.

بداية عمل أبو هاني مع الثوار وخدا الفرنسيين

وراح أبو هانئ يفكر كيف يمكن أن يشتري السلاح للثوار ويحضره اليهم ويمر به في نقطة التفتيش دون أن يحس به الفرنسيون؟ ورأى أبو هائى أن الخطوة الأولى هي اكتساب ثقة الجنود في منطقة التفتيش حتى تفتر همتهم في تفتيشه.

وفي اليوم الثاني، ركب أبو هانى دراجته بعد أن ملا صنوق دراجته بفواکه شتی کالدراق والأجاص والخوخ التي قطفها من بستانه واتجه نحو المدينة، وفي منطقة الباب الشرقي، استوقفته مفرزة التفتيش، فنزل عن دراجته وألقى التحية على الجند، وبينما هم يفتشون صندوقه، كان أبو هانئ يشتكي من الثائرين وكيف أنهم يدخلون البيوت والبساتين ويقطفون الثمار ويصادرون الأطعمة والأموال ويعتدون على الرجال والنساء، ويقول للجنود: متى ستحضرون وتخلصوننا منهم؟

ووجد الجند الفرنسيين في كلام أبي هان ما يوحي بأنهم يستطيعون الاعتماد عليه في تعرف أخبار الثوار، ولم يدركوا أن كلامه كان خدعة لهم حتى يثقوا به، وراحوا يسألونه عن الثوار وهو يجيبهم ويخترع لهم القصص والأكاذيب، مما بعث السرور في أنفسهم فطلبوا منه أن يكون مواطنا صالحا وأن يزودهم بأخبار الثوار مهما كانت صغيرة أو كبيرة فوعدهم بذلك، ثم مد يده إلى ثمار الدراق والكمثرى والخوخ يوزع منها عليهم عربون الصداقة الجديدة.

كان موقف أبي هانئ هذا أول خطوة في اكتساب ثقة الجند الفرنسيين والذي يتوقع أن تساعده ليمر في المستقبل بلا تفتیش .

حين عاد أبو هانئ عصرا نحو بستانه كان قد ملأ صندوق دراجته بأنواع مختلفة من الحاجيات والأطعمة ووقف عند نقطة التفتيش وبدأ يفرغ ما في صندوقه مبادرة الجنود وموحية إليهم بأنه إنسان نظيف لا يرتكب مخالفة، ولم ينس قبل أن يغادر أن يقدم لهم بعض الحلوى هدية .

استمر أبو هانئ على هذه الشاكلة أسبوعا حتى نال ثقة الجند ورئيسهم وحين مر صباحأ ودعاهم إلى تفتيش صندوقه رفضوا وقالوا: امض !!ولكنه لم يسر قبل أن قدم إليهم بعض الفاكهة، وحين عاد مساء وتوقف للتفتيش أشاروا إليه أن يمضي، ولما قدم لهم بعض الأطعمة لم ينس أن يقول لهم : متى ستخلصوننا من هؤلاء المسلحين الذين نهبوا بساتيننا وبيوتنا؟… وقال رئيس المفرزة: انتظر ثلاثة أو أربعة أيام وسترى ماذا سيحل بهم، فطلائع الحملة الفرنسية التيستقضي عليهم قد وصلت إلى الثكنة العسكرية المجاورة وهي في سبيل استكمال عددها وعددها وتجهيزاتها وأسلحتها.

ورحب أبو هانئ بمقدم الجند وتجهيز الحملة بلسانه لكن قلبه كان يغلي غضبة وحقدا على الفرنسيين

وحين وصل أبو هانئ إلى بستانه أودع أغراضه في غرفته وأسند دراجته إلى الحائط، ثم خرج يسعي بين البساتين والحقول مسرعة حتى وصل إلى مركز الثوار المجاهدين، وقابل الشيخ القائد وحكى له كيف استطاع أن يكسب ثقة الجند الفرنسيين وذكر ما حدثوه به وبحث معه في الخطوات المبدئية التي سيتخذها أبو هانئ لجمع المعلومات عن الحملة والأخبار بتحركها، واتفق الاثنان أن إشعال النار وانبعاث الدخان الكثيف سيكون علامة على تحرك الحملة.

كان أبو هانئ وهو عائد إلى بستانه عبر الحقول كلما لقي فرع شجرة مكسورة أو غصنة يابسة من شجرة التقطه حتى إذا وصل إلى حقل خال من الزرع جمع الحطب والأغصان بعضها فوق بعض ودس أسفلها بعض القش اليابس وهكذا حتى تم تجميع ثلاث مجموعات من الحطب على مسافات متباعدة في ثلاث حقول.

خطة أبو هانئ لمساعدة الثوار 

أغلق أبو هانئ باب بستانه وتسلق شجرة الحور واستخرج بندقيته منها ثم أحضر برميلا صغيرة من البارود وبرميلا آخر من الخردق الرصاصي (حبات صغيرة من الرصاص) وما لديه من رصاصات فارغة وصواعق وقطعة من القماش، فملأ الرصاصات إلى نصفها بالبارود وبقيتها بالخردة وسدها بالخرق سدة محكمة ودس في أسفلها صواعق متفجرة، ثم وضع واحدة في بندقيته وأطلقها على جذع شجرة فوجد النتيجة على خير ما يهوى، فسر سرورة عظيمة وصف الرصاصات في حزام من الجلد جعل فيه لكل رصاصة حجرة خاصة بها حتى استفذ الرصاصات، ثم طوى الحزام على بعضه وجعله في كيس ورقي وتسلق شجرة الحور الكثيفة فأودع البندقية والكيس فيها.

وفي صباح اليوم التالي ركب أبو هانى دراجته ووضع بعض الفاكهة في صندوقها ثم اتجه نحو المدينة. وفي مركز التفتيش ألقى التحية على الجنود الفرنسيين وقدم إليهم بعض الفاكهة، فأشاروا إليه بالمرور دون أن يفتشوه وحين وصل إلى قبالة باب الثكنة العسكرية نزل عن دراجته وتظاهر بأنها قد تعطلت، وفك سلسلة الحركة.

وراح يتباطأ في إرجاعها، وعينه ترقب داخل الثكنة ينظر إلى الجند ويحاول تقدير عددهم وتجهيزاتهم العسكرية حتى إذا ظهر أنه قد أن له أن يسير ركب دراجته ومضى إلى عمله.

خرج أبو هائئ من عمله ومضى إلى منطقة العمارة حيث افتتح صديقه ابن الذهبي دكانا صغيرة يبيع فيها الشاي والقهوة ظاهريا٬ ولكنه في الحقيقة كان تاجر أسلحة إذ أقام علاقات مع الجنود المغاربة الذين يخدمون في الجيش الفرنسي، وكانوا يسرقون الأسلحة من مستودعات الجيش ويبيعونه إياها.

طالع أيضا : قصة موسى عليه السلام للأطفال

ذكر أبو هانئ لصديقه ابن الذهبي ضخامة الحملة التي يعدها الجيش الفرنسي للقضاء على الثوار، وبين أن الثوار بحاجة ماسة إلى سلاح بمختلف أنواعه والذخيرة بأشكالها المتعددة، وحاول ابن الذهبي أن يتأكد من أبي هانئ عن نوع الأسلحة والذخيرة… وقال أبو هانئ: كل ما تستطيع الحصول ومن أي نوع و جنس نحن بحاجة إليه سواء أكان بنادق أم مسدسات أم بارودة أم رصاصة أم قنابل يدوية .. ووعد ابن الذهبي أبا هانئ خيرا وطلب منه أن يمر عليه غدا.

ركب أبو هانی دراجته بعد أن ملأ صندوقها بالأطعمة والخبز والخضار والنقولات. وما أن وصل نقطة التفتيش حتى رأى حشدا كبيرة من الناس والجنود يفتشون كل فرد في حاجياته وملابسه وجسده ، وقال أبو هانئ في نفسه: الآن سأعرف ما إذا كانت الثقة لا تزال مجدية، واتجه نحو رئيس مفرزة التفتيش وألقى التحية عليه وكان الرجل مشغولا بالتفتيش فنظر في وجه أبي هانئ وابتسم وأشار له بالمرور من دون أن يفتشه وشكره أبو هانئ وقدم إليه کيسة صغيرة من النقولات.

كان فرحة أبي هانئ كبيرة، فما جرى اليوم دليل على أن الجند يثقون به وأن هذا سيسهل مهمته في الأيام القادمة، وتناول أبو هانئ غداءه بضع لقيمات على عجل ثم خرج من بستانه يسعى بين البساتين والحقول متجها نحو قريتي المليحة والبلاط، ولم ينس أن يمر في طريقه على أكوام الحطب والقش التي صفها، حتى إذا اطمأن عليها انطلق إلى مركز الثوار فألقى التحية على من قابله واتجه نحو الشيخ.

وصل ابو هاني عند القائد وتلقاه الرجل بالترحاب وقال: لقد تحققنا يا أبا هانئ من صدقك وأرسلنا من استطلع الوضع ويظهر أنها ستكون حملة كثيرة العدد جيدة العتاد . والفرنسيون في حالتهم العسكرية متفوقون علينا من حيث العدد والتجهيزات العسكرية، ولكننا متفوقون عليهم بالإيمان بالله وإننا نقاتل دفاعا عن أرضنا وعرضنا وشرفنا وديننا ورغبة في الشهادة والله تعالى وعد عباده المؤمنين بالنصر وإن كانوا أقلة فقال :

(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الل). والمهم أن تخلص النية لله وأن نحسن الاستعداد والتخطيط عملا بقوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.

وقال أبو هانئ في استحياء: لست عسكريا ولا ضابطا ولم أدرس الفنون العسكرية، ولكن يخطر لي فكرة إذا سمحت لي بعرضها عرضتها فإن كان فيها فائدة فخير من الله، وإن كانت سخيفة مضحكة فقد أضحكتك وسرتك. وعلى كل حال فلكم أنتم القيادة وتقرير الأمور وعلينا السمع والطاعة.

قال الشيخ القائد : تفضل.

قال أبو هاني: الذي أظنه أن عنصر المفاجأة للفرنسيين يلعب دورا كبيرة في تحقيق النصر، وأنتم تقيمون هنا والفرنسيون يعلمون ذلك فهم إذا ما اتجهوا نحوكم وكان بينكم وبينهم مسافة، فسيسيرون بطمأنينة وأظن أنه من الأفضل ألا ننتظرهم حتى يصلوا إلى هنا متأهبين مستعدين والأفضل أن نباغتهم ونأخذ زمام المبادهة منهم.

وأنتم تعلمون أنه على بعد ما يقرب من كيليين (كيلو مترين) يوجد مكان اسمه الذهبيات، تكثر فيه أشجار الجوز الكبيرة وأشجار الحور الضخمة التي لو اختفى وراءها إنسان، فإن أحدا لا يستطيع أن يراه كما أن مزروعات كثيفة من الذرة والقنب التي لو دخل الإنسان فيها فلا أحد يكتشف موضعه، ويمكننا أن نستغل هذا المكان بشكل جيد فيكمن الثوار على أغصان الأشجار وخلفها وبين المزروعات وفي مسيل السوافي وينتشرون هناك، وينتظرون حتى إذا مر بهم الفرنسيون مطمئنين إلى أنه لا يزال بينهم وبين موقعنا هذا مسافة، وأصبحوا في نصف المصيدة حيث الثوار قد أحاطوا بهم من المقدمة إلى المؤخرة وأعطيتم إشارتكم فانطلقت النيران عليهم من فوقهم وعن يمينهم وشمالهم ومن أمامهم وخلفهم، فلا يدرون من أين يضربون فتذهلهم المفاجأة ويضطربون وتحل فيهم الفوضى فلا يدرون ما يصنعون وهذا سيضطرهم إلى الفرار وترك أسلحتهم وقتلاهم وجرحاهم. فإذا تم لنا النصر بإذن الله جمعنا الغنائم وانسحبنا من بضعة قناصين يناوشون من سيعودون من الفرنسيين لسحب القتلى والجرحى.

وضحك الشيخ القائد ملء شدقيه، وقال أبو هانئ: لقد قلت لك يا سيدي إنها ربما تكون فكرة سخيفة، ولكن الشيخ بادر فقال: لا يا أبا هاني فأنا أضحك من نباهتك وذكائك فالبارحة كنا نناقش في اجتماع القادة الخطة التي ستتبعها في ملاقاة الفرنسيين وكان جزء كبير من الخطة ما ذكرت فكأنك كنت معنا.

وبارك الله فيك يا أخي… ولكن!! قل لي : هل بقي شيء في ذهنك ورد أبو هانئ: نعم… فإذا سمحت أنما أريد أربعة رجال يساعدونني فإنني سأذهب إلى الباب الشرقي عبر البساتين وأفتش عن شجرة حور عالية فأكمن بين أغصانها ومن خلفها حيث لا يراني الجنود بينما يكمن ثلاثة من الرجال في أشجار حور متباعدة، ويقف الرابع أمام كومة الحطب الأولى فإذا رأيت الفرنسيين يتحركون أشرت بعلم أحمر أحمله، فيراه من على شجرة الحور التالية فيشير بعلمه فيراه من على الحورة التالية فيشير بعلمه ويراه من بعده فيشير بعلمه فيراه من وهو واقف أمام كومة الحطب فيشعل النار وينطلق الدخان فترونه وتتخذون احتياطاتكم وتتأهبون اللقاء العدو… وتستعدون لها.

وقال الشيخ القائد : بارك الله فيك يا أبا هانئ، فإن أفكارك جيدة ومفيدة وسأتدارس مع القيادة ما ذكرت وقدمت وسنوافيك بما قررنا…..

فاذهب الآن واسترح

عاد أبو هانئ مرتاح البال والضمير، فها هو قد أدى واجبه، وبقي عليه واجب آخر، فلا بد له غدا من الذهاب إلى ابن الذهبي ليرى ماذا استطاع أن يهيء من السلاح أو الذخيرة. ووصل أبو هانی داره وهو يحس بفرحة تغمره وسعادة مستولية علية وشعور بالطمأنينة، إنه أمر ما عهده من قبل ولا عرفه… إنه يكاد يطير ويحلق… أي شعور هذا ؟! لم يستطع أن يفهم، ولكنه كان متأكدا أنه نابع من مشاركته في أعمال الجهاد.

اتجه أبو هانئ في اليوم الثاني نحو المدينة على دراجته كعادته، وحين مر على نقطة التفتيش أشار إليه رئيسها بالمرور فوهبه بعض الفاكهة، وسر سرورة عظيمة فها هي الثقة لا تزال موجودة وهي سبيله الوحيد لتمرير الاسلحة في نقطة التفتيش هذه.

 ثم انحرف نحو اليمين فواجه بوابة الثكنة العسكرية وقد توقفت أمامها بعض العربات المصفحة وناقلات الجنود ، ووقف أبو هانئ بعيدا عن الباب وبمكان يستطيع منه أن يرى ما بداخل الثكنة، ونزل عن دراجته وقلبها رأسا على عقب وأفرغ ما في إطارها المطاطي من الهواء ثم راح يتظاهر بإصلاحها وملء الإطار بالهواء من جديد، بينما كانت عينه ترمق وبدقة كل ما يجري داخل الثكنة.

كانت ساحة الثكنة كبيرة تعج بالجند وقد صبت فيها الخيام والجنود يروحون ويجيئون وقد جمعوا بنادقهم على شكل أهرامات تجتمع في فوهاتها وتبتعد عند خمصانها (أسفل البندقية الخشبي)، وكان بعض الجند مشغولا بتنظيف بندقيته أو رصف الرصاصات في جعبته، وراح يقدر أبو هانئ عدد الجنود الموجودين في ساحة الثكنة، وعد المصفحات التي كانت على باب الثكنة، فإذا هي ست مصفحات قد نصب على كل واحدة فيها رشاش ومدفع صغير، وكانت حاملات الجنود ثماني حاملات تتسع كل واحدة لما يقرب من خمسين جنديا .

تمتم أبو هانئ: الله أكبر عليكم وأخزاكم الله، وعدل دراجته وامتطاها ومضى إلى عمله.

خرج أبو هانئ من عمله واتجه نحو دكان ابن الذهبي فألقى التحية عليه وتظاهر أنه يتفحص نوعية الشاي المعروض وسأل ابن الذهبي: ماذا تم معك؟؟

ورد ابن الذهبي: الأوضاع حرجة جدا ، فالجيش الفرنسي مستنفر والاتصال بالجنود صعب، ومع هذا فقد استطعت أن أؤمن لك ثماني قنابل يدوية ومسدسين وبعض  الرصاص.. فقال أبو هانى: لا بأس.. هي حصيلة جيدة ولكن متى ستؤمن لنا بعض البنادق والرصاص ورد ابن الذهبي: دع الأمورعلى تيسير الله…

ولكن أتوقع إن حصلت معركة قريبا بين الفرنسيين والثوار فستتاح الفرصة للجنود الفرنسيين أن يبيعوا بعض البنادق بحجة فقدها في المعركة وبعض الذخيرة بحجة إطلاقها في المعركة، وعلى كل يوجد تاجر آخر للسلاح داخل حي العمارة قبل أن تصل إلى منطقة الكلاسة اسمه: أبو كاسم فاذهب إليه وقل له: أرسلني ابن الذهبي، هل يوجد عندكم شاي؟ فإذا سمع منك ذلك وهذه كلمة السر بيننا اطمأن إليك ويمكن أن يمدك بما تحتاجه من السلاح إن وجد عنده .

قال أبو هاني: أرجو أن تنتظرني قليلا ثم اتجه إلى بائع الخضار فاشترى بعضها وأكثر من الجزر والخس، ثم اشترى بعض النقولات والسكاكر وبعض العوامة القمة القاضي حتى ملأ صندوقه وعاد إلى ابن الذهبي.

وقال ابن الذهبي: أترى الزقاق على يمينك؟؟ ادخل فيه وعد حتى الباب الرابع على اليمين وانتظرني أمامه.

بعد حين حضر أبن الذهبي وفتح باب البيت، وأدخل أبو هانئ دراجته وأغلق الباب ثم أفرغ ما في الصندوق ثم صف الأسلحة في قعر الصندوق ووضع فوقها الجزر والخضار والخس، ثم النقولات والسكاكر والعوامة حتى كادت تقع من الصندوق لكثرتها ومن ثم ربطها بحبل…

وهكذا أصبحت الأسلحة تحت الأطعمة والوصول إليها ليس سهلا وركب أبو هانى دراجته واتجه إلى بستانه وهو يتلو ما يحفظ من القرآن والأدعية حتى وصل نقطة التفتيش في الباب الشرقي، فرأى الناس مجتمعة تنتظر دورها وأصابت الرهبة أبا هانئ وخشي أن يكتشف أمره وخطر له أن يعود ويحاول المرور عبر بساتين الإحدى عشرية وهي منطقة كثيرة السواقي والغدران والأنهار، لكنه لم يكن متأكد من خلوها من الجنود والتفتيش فإن الفرنسيين حريصون على سد جميع الطرق على الثوار، ثم إنه إن رجع خاف أن يثير الشبهة فضلا عن أنه لن يمر لمرة واحدة واتجه بقلبه إلى الله وقال: يا الله يا مغيث استر علي وأغثني واتجه نحو رئيس المفرزة وهو يقول: الله أكبر الله أكبر بينما كان قلبه ينبض بقوة يكاد يخرج من فمه،.

وحين أصبح أمام رئيس المفرزة كان يقول: يا ستار استر علي وألقى التحية عليه وكان رئيس المفرزة مشغولا بالتفتيش فأشار إليه أن يمر، فأخذ صحن العوامة وقدمه لرئيس المفرزة فأخذ حبة فجعلها في فمه لكن أبا هانى أشار إليه أن الصحن له ولجنوده، وحياه رئيس المفرزة بينما انصرفت عيون الجنود عن التفتيش إلى صحن العوامة، أما أبو هاني فقد انسل ببطء بدراجته حتى إذا ابتعد قليلا ركب دراجته وانطلق كالريح المرسلة أو السهم المنطلق واتجه مباشرة إلى مقر الثوار المجاهدين.

تلقى الثائرون أبا هانئ بالترحاب، ولقي أبو هانئ القائد الشيخ وسلمه الأسلحة التي أحضرها وسر الشيخ سرورة عظيمة وأثنى على أبي هانئ وإخلاصه، ونقل أبو هانئ إلى الشيخ ما رأی داخل الثكنة.

 واستلم ثمن الأسلحة ثم ترك الأطعمة التي أحضرها لزملائه، وأكد مع الشيخ الموعد وقال: سأنتظر الرجال عند الفجر بعد أن دلهم على بستانه.

كان أبو هانئ يتقلب على فراشه وكأنه مستلق على الجمر، وهو يفكر فيما يجب عليه أن يصنع فقد عز عليه أن يكتفي بالمراقبة من أعلى الشجرة فقط، وتمنى لو أنه يشارك في المعركة فلعله ينال الشهادة … وأخيرا أهداه تفكيره إلى رأي وأغفى قليلا ثم استيقظ وقد أدرك أنه لم يبق للفجر إلا زمن قليل.

فاستحضر الأعلام وصعد الشجرة فأنزل بندقيته وجعبة الرصاصات، وتهيأ للخروج وسمع صوت المؤذن فأدى صلاة الفجر وهو لا يكاد يعقل ما يصلي حتى إذا ما انتهى سمع صوت أصحابه، ففتح الباب وخرج إليهم مرحبا وأعطى كل واحد منهم علما، وقدم بندقيته وجعبته إلى الرجل الذي سيوقد الحطب.

وقال له: احفظ لي هذه معك وألقاك إن شاء الله قريبة من الحطب، ثم أعاد على الرجال أدوارهم وما يجب عليهم أن يصنعوا وقدم إليهم علب ثقاب، واعتنق الرجال وافترقوا فذهب اثنان منهم شرقا إلى شجراتهم واتجه أبو هانئ مع صاحبه غربة حتى إذا وصلا إلى شجرة الحور المعنية، ودع أبو هاني صاحبه وطلب منه أن يبقى على حذر وراح يسعى نحو شجرته وحين وصلها تسلقها بخفة ومهارة حتى وصل أعلاها، وكمن بين عروقها، وجعل مقامه من جهة الشرق بحيث لو نظر أحد من جهة الثكنة لم يره.

كان أبو هانئ يذكر الله وقد تسمرت عيناه على طريق الباب الشرفي الذي يؤدي إلى قريتي المليحة والبلاط، وهو يحاول أن يستطلع ما يجري داخل الثكنة، ولم يطل انتظاره، فقد بدأت الشمس تبث أشعتها فوق وعبر البساتين والحدائق والأشجار، وبدأت الصورة تتضح لأبي هانئ فها هما عربتان مصفحتان مجهزتان بمدفع ومدفع رشاش قد استلمتا بداية الطريق وقد جلس عليهما مجموعة من الجنود بسلاحهم الكامل…

وخلف المصفحتين سيارتان مليئتان بالجنود تكاد تحمل كل واحدة ما يقرب من ستين چنديا وخلفهما عربتان مصفحتان ووراءها سيارتان مليئتان بالجنود وقد سار خلفهما مجموعة كبيرة من الجنود الراجلة التي تمشي على أقدامها مجهزة بالسلاح الكامل وخلفهم سيارتان مليئتان بالجنود والعتاد ووراء السيارتين عربتان مصفحتان بمدفعيهما وجنودهما ووراء المصفحتين مجموعة من الحمير والبغال قد حملت بالعتاد والذخيرة وخلفها سيارتان محملتان بالجند.

ولم ينتظر أبو هانئ أن يرى بقية الرتل، إذ هاله ما رأی من جند وعتاد، فأمسك بعلمه ولوح به ثلاث مرات وهو ينظر إلى الشجرة التي قبله، فلمح راية حمراء تتحرك فأدرك أن الرسالة قد وصلت فهبط من الشجرة مسرعا، وراح يسعى بين البساتين حتى وصل الشجرة التي قبله فوجد صاحبه قد غادرها ولاحظ دخانا قد بدأ يرتفع في الجو فأدرك أن الخطة تسير على ما يشتهي.

طالع أيضا :  قصة دينار العيار وخشيته من نار جهنم

ومر أبو هانئ بالنار المرتفعة تنفث دخانها في الجو فقال: أجارنا الله من حر النار، ولكن ما أجملك من نار، وما أحلاك من دخان.

وهكذا مر أبو هانئ بأشجار الحور حتى وصل الشجرة الرابعة فوجد صاحبه ينتظره في أسفلها ومعه البندقية والجبة واعتنق الاثنان ثم تحركا شرقا، فرأيا الدخان يرتفع في الجو وأدركا أن صاحبيهما قد أديا المهمة وأشعلا النيران … وحين وصلا إلى كومة الحطب الأخيرة، ضحك أبو هانئ وقال: لقد حرصت أن أجعل في هذه الكومة حطب التين والتوت لأنه لا يشتعل سريعة ويرمي بدخان كثيف كما ترى.

تابع أبو هانى السير شرقا وقال له صاحبه: ألا تعود إلى بستانك ورد أبو هانئ: إن بستاني سيكون في الجنة إن شاء الله، وأريد أن أشارك في المعركة فلعل الله يرزقني الشهادة وهي فرصة قد سنحت فلا يحق لي أضيعها.

وصل الاثنان إلى قرب معسكر الثوار فتلقاهما الحراس وحين عرفاهما صرحا لهما بالدخول، ورأى أبو هانئ الثوار المقاتلين يقفون على أهبة الاستعداد وقد وضعوا بنادقهم على أكتافهم وحزموا صدورهم بجيب الرصاص وهم ينتظرون الأمر من القائد بالتحرك… وقال الشيخ القائد : بارك الله فيك يا أبا هانئ فقد بيضت وجوهنا … ولقد ذهبنا البارحة إلى منطقة الذهبيات ودرسنا الأرض على الطبيعة وحددنا لكل مقاتل مكانه … وقال أبو هانئ: يا سيدي أنا رأيت الحملة.

الآن حين تحركت إنها مجموعة كبيرة من الجند والعربات المدرعة وحاملات الجنود ، وإن هذا العدد الكبير يحتاج إلى عدد ضخم من الثوار أو أن يكون الانتشار كبيرة حتى يحيط بالجيش كله ويجعله تحت مرمى النيران. وقال الشيخ: إن هذا الأمر لم يفتنا فقد أرسلنا البارحة من استكشف عدد الجند وعرباتهم وأسلحتهم وجعلنا انتشارنا على طرفي الطريق ملائمة لهذا العدد من الجند.

فقال أبو هاني: أتسمح لي أن أشترك في المعركة؟ فإني أتمنى الشهادة وأرغب في الجنة، وقال الشيخ: وهل أستطيع منعك؟ ولكن قل لي : كم تقدر أن الحملة تحتاج من الوقت حتى تصل إلى منطقة الذهبيات؟ ورد أبو هان؛ ما بين الساعة والساعة والنصف وقال الشيخ: أما نحن فنحتاج إلى عشر دقائق.

وقف الشيخ على مرتفع بسيط من الأرض ثم بدأ يخطب، فحمد الله وأثنى عليه وصلي على سيد المجاهدين محمد وحدث الثوار أنهم ماضون إلى معركة شرسة عددهم فيها كبير وعتادهم كثير وأن الواحد منهم ربما يصاب أو يموت لذا يجب عليهم أن يخلصوا النية الله وأنهم يقاتلون في سبيل رضائه ونيل الشهادة وتخليص البلاد من المستعمر الكافر وأنهم لا يقاتلون حمية ولا رياء ولا من أجل أن يقال عنهم إنهم أبطال، وأنهم سواء عليهم أماتوا أم انتصروا فإنما هم في عبادة الله ورضاه، وطلب منهم أن يحرص كل واحد منهم على مكانه سواء أكان على شجرة أم خلف شجرة أم في بطن ساقية أم بين عيدان الذرة وأن يلتزموا الهدوء حتى لا يحس بهم عدوهم .

 وألايتعجلوا إطلاق النار حتى يسمعوا صوت طلقة مسدسه، وذكرهم أن النصر في هذه المعركة بعد توفيق الله قائم على عنصر المفاجأة فالقوى والأسلحة غير متكافئة وخوفهم من الفرار ودعاهم إلى الثبات وبين أن الذي يفر يبوء بغضب من الله ويخسر أجره وعمله.

وانطلق المجاهدون بين البساتين وهم يذكرون الله حتى إذا وصلوا منطقة الذهبيات اتخذ كل واحد لنفسه مكانا٬ فمنهم من اعتلى الأشجار ومنهم من اختبأ خلف الأشجار ومنهم من لبد في بطن السواقي ومنهم من دخل بين عيدان الذرة، أما الذين تسلحوا بالقنابل اليدوية فقد كانت أماكنهم على أغصان الأشجار حتى يسهل عليهم إلقاء قنابلهم في الموضع الذي يريدون، وهي العربات المدرعة وحاملات الجنود .

مضى الوقت بطيئأ والسكون يلف المنطقة إلا من حفيف أوراق الأشجار أو زقزقة العصافير، وكانت الألسنة تلهج بذكر الله وطلب النصر منه، ومن كان قد اقترف ذنوبة في حياته فإنه توجه إلى الله بطلب المغفرة.

ومرت ساعة أو أكثر حين أطلت طلائع الحملة الفرنسية في سيرها الرتيب. كانت المدرعات تسير ببطء وكان الجنود الفرنسيون مطمئنين فلا يزال مركز الثوار بعيدأ وهم لم يتعرض لهم أحد طوال الطريق، وكان بعضهم يخفق برأسه من النعاس إذ لم ينم ليلته جيدأ، وقادتهم قد حدثوهم أن الثوار مجموعة من المجرمين قليلة العدد وأنهم سيتمكنون من القضاء عليهم بيسر وسهولة.

بداية المعركة !!

مرت العربة المصفحة الأولى أمام أول ثائر من جهة الغرب مختبئ وتمنى لو أنه يتعجل ويطلق النار على من هم وراء مدافعها، لولا أن الأوامر تمنع ذلك فلا بد من انتظار طلقة مسدس القائد الشيخ…

كانت الحملة الفرنسية تمر من أمام الثوار وكأنها أفعى تنسحب على الأرض وأفرادها غافلون عما ينتظرهم حتى إذا بلغت العربة المدرعة الأولى موقع القائد الشيخ بادر القائد بإطلاق مسدسه على رأس الجندي الواقف وراء المدفع الرشاش، وفي لحظة واحدة فتحت جهنم أبوابها فقد ألقى من كان على الشجر قنابلهم على العربات المدرعة والسيارات وأطلق الثوار نيرانهم على الجند، ووجد الفرنسيون أنفسهم أمام النار تأتيهم من فوقهم وأمامهم وجوا وبينهم وخلفهم فعرفوا أنهم قد وقعوا في كمين، فألقوا أنفسهم من العربات والسيارات وراحوا يركضون يبتغون مكانا يتترسون فيه وهم يتساقطون كالفراش فوق النار برصاص الثائرين ويبحثون لأنفسهم عن ملجأ،

كان الرصاص ينهمر على الجنود الفرنسيين كالمطر، والقتلى والجرحى يتساقطون کتساقط الثمار من على الأشجار وكان أبو هاني يكمن وراء شجرة وقد أمسك بندقية وعيناه مرکزتان على الحملة وهي تمر إذ أبصر جنديا طويلا قوي الجسم يمسك ببندقية جديدة وقال أبو هاني: هذا هو الهدف وبندقيته خير هدية لي فسحب بندقيته وأسندها إلى كتفه وسدد إلى رأس الجندي وتخيل أنه يصوب إلى بطة برية قد حطت على شجرة، وما إن سمع صوت رصاصة القائد حتى أطلق بندقيته على الجندي ورأى رأس الجندي يهتز ثم يقع على الأرض وحاول جندي بجواره أن يسنده لكن رصاصة أصابت رقبته فهوى إلى جانب صاحبه.

حاول الفرنسيون لملمة صفوفهم والتراجع قليلا إلى الوراء ليتخلصوا من كثافة نيران المجاهدين، ولكن تلك النيران حجزتهم عن تحقيق رغباتهم، واستمرت المعركة ساعتين والفرنسيون يفقدون جنودهم واحدة إثر الآخر ووجدوا أنهم مهما بذلوا من جهد فلن يحققوا فائدة لأن صفوفهم اضطربت وبعضأ من جنودهم هربت وآخرين جرحوا أو قتلوا فقرروا الانسحاب والابتعاد عن نيران الثائرين.

لم يستطع الفرنسيون أن يقدروا قوة الثوار التي واجهتهم، ولكنهم كانوا في خوف، وعمدوا إلى لملمة صفوفهم وأعادوا الكرة نحو أرض المعركة فوجدوها خالية من الأسلحة والذخائر وبعض العربات تشتعل فيها النيران وجنودهم صرعى بين قتيل وجريح. أما الثوار فإنهم غنموا وانتصروا وانسحبوا إلى مسافة قريبة واتخذوا لهم مواقع جديدة كان الخوف قد ملأ قلوب الفرنسيين فلم يتجرؤوا على السير قدما إلى الأمام وقرروا العودة إلى دمشق فأخلوا جرحاهم وقتلاهم وسحبوا ما بقي عندهم من عرباتهم سالما من بعد ما ملأوها بجثث القتلى والجنود الجرحى. وحين تحرك الجند الفرنسيون نحو دمشق كانت تلاحقهم رصاصات القناصة من الثوار التي كانت تزيدهم رعبا وخوفا

كانت غنائم الثوار كبيرة وافرة أما قتلاهم وجرحاهم فقليلة، لكن النصر الذي أحرزوه في المعركة كان عظيما وقد أرعب الفرنسيين وجعلهم يفكرون في تغيير خططهم وترتيبهم في المستقبل.

سری خبر هزيمة الجند الفرنسيين في مدينة دمشق سريان النار في الهشيم وصار حديث المجالس والاجتماعات، وتجرأ الأطفال الصغار على الفرنسيين فراحوا يرجمونهم بالحجارة ويصيحون «آبالأفرانس» أي تسقط فرنسا، ولكن أراد الفرنسيون أن يتظاهروا بالنصر فعمدوا إلى إلقاء القبض على الفلاحين القادمين من الغوطة ليبيعوا خضارهم وحليبهم على الحائط ثم أطلقوا عليهم الرصاص ونقلوا جثثهم إلى ساحة الشهداء في دمشق وادعوا أنهم قتلى المجاهدين.

لم تنطل الحيلة على الناس بل زاد احتقارهم للجيش الفرنسي وازدراءهم له، ودفع هذا الموقف كثيرا من الشبان إلى الالتحاق بصفوف الثورة السورية فكان عمل الفرنسيين عامل خير للثورة.

كان الانتصار في هذه المعركة حافزا كبيرة لدى أبي هانئ لمزيد من النشاط والخدمة للثوار ولاسيما حين زادت ثقته بنفسه بعد أن منحه الشيخ القائد بندقية من الغنائم بدلا من بندقية الصيد التي يستعملها في المعركة وانتظر أبو هانئ يومين ثم عاد إلى دراجته وفواكهه وعمله . وادعى أنه كان مريضأ وأن الطريق غير آمنة.

وكان كلما انتهى من عمله يولي وجهه شطر ابن الذهبي ومن تعرفهم من تجار السلاح فيأخذ منهم ما جمعوه له من أسلحة وذخائر لأن فرنسا كانت تعد العدة لمعركة الثأر.

كانت سلطة الثوار قد اتسعت، فعمت الغوطة الشرقية في قرى جسرين وحمورية وكفر بطنا وسقبا، اتصلت الثورة بثورة جبل العرب والتهب الشمال بنار الثورة فكانت ثورة إبراهيم هنانو في منطقة حلب وثورة صالح العلي في منطقة جبال اللاذقية، ورأت فرنسا أنها إذا قضت على الثورة في الغوطة الشرقية وجبل العرب فإن القضاء على الثورة في الشمال يصبح أسهل، ولذلك جهزت الحملات العسكرية الكبيرة والقوية ووجهتها إلى جبل العرب فكانت معركة المسيفرة التي هزم فيها الفرنسيون هزيمة منكرة ووجهوا الحملات العديدة إلى قرى المليحة وجسرين والبلاط وحمورية وكفر بطنا، وقام أبو هانئ بواجبه کاملا فكان يحضر الأسلحة ويترصد الحملات وينقل أخبارها ويشارك في معاركها، فلم تفته معركة ولا غاب عن موقعه وهو في كل معركة يستعذب الموت فلا يجده ويتمنى الشهادة فلا يحصل عليه … وكان يرى أن الله قد حفظه ليشارك في معارك أخرى ويبلي فيها ويكون له أجره.

اصابة ابو هاني في المعركة ….الساق الخشبية

حتى كان ذلك اليوم.. يوم معركة جسرين إذ كانت معركة حامية قاسية استعدت لها فرنسا استعدادا كبيرة وحشدت لها الجند والعربات المصفحة والأسلحة المختلفة. وقد استعد الثوار لهذه الحملة وقابلوها بجرأة وبطولة نادرتين، ويلفت المعركة أوجها حين أصبحت وجها لوجه، وكان أبو هانئ مشاركة في المعركة وقد رأى الجندي على العربة المصفحة يطلق نيران رشاشه فيؤذي ويقتل المجاهدين فأخذ قنبلة بيده ثم اتجه نحو العربة ولكنه لم يخط سوى ثلاث خطوات حين أحس بنار حامية تخترق ساقه وترمي به إلى الأرض، ولكنه تحامل على نفسه واتكأ على يده وألقي القنبلة وكان آخر ما رآه الجنود وهم يسقطون من أثر تفجر القنبلة ثم غاب عن الوعي.

أفاق أبو هانئ ليجد نفسه ممددا في فراش وقد ربطت ساقه من مفصل الركبة بضمادات كثيرة ورأى رجلا يقف قبالته ويقول له : الحمد لله على سلامتك وعوضك الله عن رجلك خيرا فإنك قد أصبت برصاصة في عظم ساقك فتشت العظم، وقد خشي الطبيب أن يتسمم جسمك من مضاعفات الجرح واضطر إلى قطعها.

رقد أبو هانئ في السرير شهر تقريبا حتى برى جرحه، وكان عليه أن يجد عوضا عن ساقه التي فقدها، ولما لم يكن هناك أعمال طبية متطورة تقدم لأبي هانئ ساقأ تعويضية. وضع لأبي هانئ رجل هي عبارة عن قطعتين من الخشب جمعنا على شكل زاوية منفرجة وقد سمرتا على عصا خشبية مدورة تقوم مقام الساق والقدم، وسمر على أطراف الخشبتين سيور جلدية وكان على أبي هانئ أن يلبس رجله في منطقة الركبة قبعة من الجلد لها سيور ثم يضع رجله بين الخشبتين ويشد سيور الجلد بعضها على بعض فتصبح الساق الخشبية ملتصقة برجله وتقوم مقام الرجل المفقودة.

كان على أبي هانئ أن يتمرن على السير بهذه الساق الخشبية، وقد لقي عنتا في البداية حتى تمرس بذلك وبقي عليه أن يتمرن على ركوب الدراجة فلحم قطعة من الحديد على جسد الدراجة كان يسند رجله فوقها، وجعل على ركابة الدراجة سيرة جلدية يدخل قدمه فيه فيثبت عليها وتساعده في تحريك الدراجة .

ركب أبو هانئ دراجته واتجه نحو المدينة وفي نقطة التفتيش لقيه قائد مفرزة التفتيش واستغرب غيابه الطويل وفقده رجله، ولكن أبا هانئ لم يعدم عذرا يرضي قائد المفرزة فقال: إنهم الثوار دخلوا بستاني وأخذوا قمحي وحين منعتهم، أطلقوا الرصاص على ساقي ففقدتها ورفدت في سريري هذه المدة ورق له قائد المفرزة وسمح له بالمرور، وذهب أبو هانئ إلى عمله وحين سئل عن شأنه أفاد أن حصان جامحا يجر عربة رمحه بعمود العربة فكسر له ساقه ومر بالعربية من فوقها فتفتت عظمه واضطر إلى التخلي عن ساقه والاستعاضة عنها بساق خشبية.

وتقدم أبو هانئ بطلب يرجو إحالته على التقاعد صحية واستجيب طلبه وخصص له راتب ضئيل، وأحس أبو هاني أنه قد أصبح حرة وأنه بات أقدر على خدمة الثورة والثوار.

لقي أبو هانى الشيخ القائد مستفسرا عن أية خدمات إضافية يريدها الثوار منه، وطلب الشيخ من أبي هانئ أن يلتزم حالة واحدة وهي إحضار الأسلحة وتقصي الأخبار وأنه من العسير عليه أن يشارك في المعارك، وهو فيما يجاهد ويسدي إلى الثورة عونة كبيرة.  

كثر تردد أبي هانئ على ابن الذهبي وغيره من تجار السلاح، وكان يستخدم صندوق دراجته حينأ أو يربط ما اشترى من الذخيرة على ساقه الخشبية مستغلا أنها عصا رقيقة.

كان أبو هان ينظر إلى رجله الخشبية وهو يسرح في خيالاته وذكرياته، وقد عادت إليه صور الأيام الخوالي التي قضاها في نقل الأسلحة إلى الثوار وأحس بالسعادة تغمر نفسه على ما قدم للثوار من خدمات، وتذكر يوم وفد على ابن الذهبي وقد مر على أبي كاسم فلقي مجموعة من أصحابه واقفين على دكان ابن الذهبي وهو يصب لهم أكواب الشاي.

فسلم أبو هانئ على أصحابه ودار الحديث عن الثورة والثوار والمعارك والانتصارات وافتقار الثوار إلى السلاح والمال وفجأة وجد أبو هانئ نفسه وأصحابه محاطين بدورية من الجند الفرنسيين التي تطوف الشوارع وتتحرى عن السلاح، وأحس أبو هانئ أنه وقع في الفخ، ونظر فرأى جرة الماء الموضوعة إلى جانب الدكان يشرب منها الناس، فأهوى أبو هانئ بيده إلى الجرة ورفعها والتفت يرید الانصراف بها نحو سبيل الماء متظاهرة أنه يريد أن يملأها.

ولكن رئيس الدورية استوقفه وقد ظن أنه قد خبأ شيئا في الجرة فأخذ الجرة من يده وقلبها فتساقط الماء منها، فاغتاظ لخيبة ظنه ورفس أبا هانئ بقدمه وقال: «أليه، بالفرنسية ومعناها: «اذهب»، وأخذ أبو هانى الجرة وانطلق مسرعا ورجله الخشبية تحدث صوتا قوية على الأرض نحو سبيل الماء فملأ الجرة ثم عاد حتى إذا وصل الدكان ابن الذهبي وجد أصحابه يسبون ويشتمون ويلعنون، وسألهم: ما الذي جرى؟ وأجابه ابن الذهبي: أولاد الكلب أخذوني من هنا حتى إذا وجدوا مكانة خالية انهالوا علي لكما وضربة ورفسا …

وقال أبو هانى: ومن أجل ماذا ضربوك؟! فرد أبو عدنان: لقد وجدوا معي موس، فصادروه وأخذوني وضربوني.. ضحك أبو هانئ ضحكا شديدا كان موضع استغراب أصحابه وقال: كل هذا من أجل موس!!! ثم مد يده إلى حزامه فأخرج مسدسين ووضعهما على منضدة الدكان وقال: ماذا كانوا سيفعلون لو وجدوا هذه؟ وعاد يضحك.

وانتبه أبو هاني إلى نفسه وهو يضحك، وصحا من ذكرياته، ثم نظر إلى رجله الخشبية أمامه مسندة إلى الحائط. وسكت وهو يهز رأسه ثم قال: يا الله ما أجمل هذه الذكريات لقد مضى عليها أكثر من ثلاثين عاما ولكنها لا تزال تحرك قلبي وتبعث البهجة في نفسي کم كانت أيام الثورة جميلة ومثيرة وممتعة، صحيح إنني فقدت فيها ساقا لكنني أرجو من الله أن أطأ بساقي الخشبية هذه الجنة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *